ابراهيم بن عمر البقاعي

116

نظم الدرر في تناسب الآيات والسور

ولما كان المراد الإعلام برسوخ قدمه في كل من هذه الأوصاف ، عطفها بالواو فقال : وَمُبَشِّراً أي لمن شهدت لهم بخير بما يسرهم ، وأشار إلى المبالغة في البشارة بالتضعيف لما لها من حسن الأثر في إقبال المدعو وللتضعيف من الدلالة على كثرة الفعل والمفعول بشارة بكثرة التابع وهو السبب لمقصود السورة ، وكانت المبالغة في النذارة أزيد لأنها أبلغ في رد المخالف وهي المقصود بالذات من الرسالة لصعوبة الاجتراء عليها فقال : وَنَذِيراً أي لمن شهدت عليهم بشر بما يسوءهم وَداعِياً أي للفريقين إِلَى اللَّهِ أي إلى ما يرضي الذي لا أعظم منه بالقول والفعل ، وأعرى الدعاء عن المبالغة لأنه شامل للبشارة والنذارة والإخبار بالقصص والأمثال ونصب الأحكام والحدود ، والمأمور به في كل ذلك الإبلاغ بقدر الحاجة بمبالغة أو غيرها فمن لم ترده عن غيه النذارة ، وتقبل به إلى رشده البشارة ، حمل على ذلك بالسيف . ولما كان ذلك في غاية الصعوبة ، لا يقوم به أحد إلا بمعونة من اللّه عظيمة ، أشار إلى ذلك بقوله : بِإِذْنِهِ أي بتمكينة لك من الدعاء بتيسير أسبابه ، وتحمل أعبائه ، وللمدعو من الإقبال والاتباع إن أراد له الخير . ولما كان الداعي إلى اللّه يلزمه النور لظهور الأدلة قال : وَسِراجاً يمد البصائر فيجلي ظلمات الجهل بالعلم المبصر لمواقع الزلل كما يمد النور الحسي نور الأبصار . ولما كان المقام مرشدا إلى إنارته ، وكان من السرج ما لا يضيء ، وكان للتصريح والتأكيد شأن عظيم قال : مُنِيراً * أي ينير على من أتبعه ليسير في أعظم ضياء ، ومن تخلف عنه كان في أشد ظلام ، فعرف من التقييد بالنور أنه محط الشبه ، وعبر به دون الشمس لأنه يقتبس منه ولا ينقص مع أنه من أسماء الشمس . [ سورة الأحزاب ( 33 ) : الآيات 47 إلى 50 ] وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ فَضْلاً كَبِيراً ( 47 ) وَلا تُطِعِ الْكافِرِينَ وَالْمُنافِقِينَ وَدَعْ أَذاهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفى بِاللَّهِ وَكِيلاً ( 48 ) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِناتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَما لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَها فَمَتِّعُوهُنَّ وَسَرِّحُوهُنَّ سَراحاً جَمِيلاً ( 49 ) يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنا لَكَ أَزْواجَكَ اللاَّتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ وَما مَلَكَتْ يَمِينُكَ مِمَّا أَفاءَ اللَّهُ عَلَيْكَ وَبَناتِ عَمِّكَ وَبَناتِ عَمَّاتِكَ وَبَناتِ خالِكَ وَبَناتِ خالاتِكَ اللاَّتِي هاجَرْنَ مَعَكَ وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَها لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَها خالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ قَدْ عَلِمْنا ما فَرَضْنا عَلَيْهِمْ فِي أَزْواجِهِمْ وَما مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ لِكَيْلا يَكُونَ عَلَيْكَ حَرَجٌ وَكانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً ( 50 ) . ولما تقدمت هذه الأوصاف الحسنى ، وكان تطبيق ثمراتها عليها في الذروة من العلو ، وكان الشاهد هو البينة ، فكان كأنه قيل : فأقم الأدلة النيرة ، وادع وأنذر كل من